أحمد بن محمد مسكويه الرازي

307

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الحكمة هي التي تخلصنا من هذه الآلام والظنون الكاذبة التي هي نتاج الجهالات واللّه الموفق لما فيه الخير . « 1 » وكذلك نقول لمن خاف الموت لأنه لا يدري على ما يقدم بعد الموت لأن هذه حال الذي يخاف بجهله ، فعلاجه أن يتعلم ليعلم ويشتاق ، وذلك ان من أثبت لنفسه حالا بعد الموت ثم لم يعلم ما تلك الحال فقد أقر بالجهل وعلاج الجهل العلم ، ومن علم فقد وثق ومن وثق فقد عرف سبيل السعادة فهو يسلكها لا محالة ، ومن سلك طريقا مستقيما لا غرض صحيح افضى اليه بلا شك ولا مرية ، « 2 » وهذه الثقة التي تكون بالعلم هي اليقين ، وهي حال المستبصر في دينه المستمسك بحكمته ، وقد عرفناك مرتبته ومقامه في ما سلف من القول . وأما من زعم أنه ليس يخاف الموت وانما يحزن على ما يخلف من أهله وولده وماله ونسبه ، ويأسف على ما يفوته من ملاذ الدنيا وشهواتها ، فينبغي ان نبين له الحزن تعجل ألم ومكروه على ما لا يجدي الحزن اليه بطائل ، وسنذكر علاج الحزن في باب مفرد له خاص ، لأنا في هذا الباب إنما نذكر علاج الخوف ، وقد أتينا منه على ما فيه مقنع وكفاية إلا انا نزيده بيانا ووضوحا فنقول :

--> ( 1 ) . عقد علماء النفس ندوة سنة 1956 م ، دعت إليها الجمعيّة السيكولوجيّة الأمريكية ، ويبدو أنّ الموت مسألة إنسانية محضة ، فالإنسان هو الوحيد الذي يعي أنه مائت ، ولا شك أن الموت لغز الحياة ، شغل به الأقدمون ، ولكن الدين هو الوحيد الذي قدم فيه وجهة نظر متكاملة ، ولعلّ هذه الحياة كما عبّر عنها أهل بيت النبوة عليهم السّلام هي الموت ، إذ قالوا : « الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا » . فلعل الحياة الدنيا نوم مقارنة بالآخرة ، فإذا مات الإنسان ظهرت له الأشياء بخلاف ما شاهده الآن ، فيقال له عند ذلك : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ق / 22 . وعند الفلاسفة وعلماء الأخلاق فإن المقتول يموت بأجله بلا تقديم ولا تأخير : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ الأعراف / 34 . ( 2 ) . المرية : التردّد في الأمر ، وهو أخصّ من الشك . قال اللّه تعالى : أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ فصلت / 54 .